أبي منصور الماتريدي

517

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الْبِلادِ في [ ذكر نبأ ] « 1 » عاد وثمود وفرعون فوائد ثلاث : إحداها : في موضع « 2 » التخويف لأهل مكة الذين كذبوا رسوله - عليه السلام - و [ هو ] « 3 » أن أولئك القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا ، وأكثر في القوة من هؤلاء الذين كذبوا محمدا [ عليه أفضل الصلوات ] « 4 » ، فلم يغنهم ذلك كله من الله تعالى شيئا ؛ بل الله تعالى انتقم منهم لرسله - عليهم السلام - بما كذبوهم ، فما بال هؤلاء الذين كذبوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لا يخافون مقته وحلول النقمة بهم بتكذيبهم رسوله ، وليسوا بأكثر من أولئك في العدد والمال والقوة ؟ ! وفائدة أخرى : أن أولئك كانوا يزعمون أنهم بالله - تعالى - أولى من محمد عليه الصلاة والسلام وأتباعه ؛ لما بسط لهم « 5 » من النعيم ، وضيق على الرسول وأتباعه ؛ فبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى والأموال والأولاد والأعداد ، وكانت رسلهم في ضيق من العيش ، ثم كانوا هم أولى بالله تعالى من المكذبين « 6 » المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى ؛ فبين لهم هذا ليعلموا أن ليس الأمر على ما ظنوا وحسبوا . والثالثة : أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان بالله تعالى وبرسوله ، وكانوا يقولون : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] ؛ فيكون في ذكر هذا نفي التقليد لأولئك ؛ لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل ، وهم الفراعنة وأتباعهم ، وفيهم من نجا ، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم « 7 » ، فما بالهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين « 8 » نجوا ؟ ! . ثم الآية لم تسق ؛ لتعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى نشتغل بتعرفه ، وإنما سيقت للأوجه التي ذكرنا ؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف . وقوله : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ فقوله : أَ لَمْ تَرَ يحتمل وجهين : أحدهما : أي : قد رأيت ؛ أي : علمت ؛ كما يقال في الشاهد : ألم تر إلى ما فعل

--> ( 1 ) في ب : ذكرها . ( 2 ) في ب : مواضع . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : صلّى اللّه عليه وسلم . ( 5 ) في ب : عليهم . ( 6 ) في ب : المكثرين . ( 7 ) في ب : لا . ( 8 ) في ب : الذي .